الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

341

شرح ديوان ابن الفارض

فالموت فيه حياتي وفي حياتي قتلي أنا الفقير المعنّى رقّوا لحالي وذلّي « فالموت » الفاء للتفريع على ما قبله . والموت مفارقة الحياة فإن العارف المحقق إذا عرف نفسه وجدها في يد الحق كالقلم في يد الكاتب ، لكن القلم لا قدرة ولا إرادة له ولا سمع ولا بصر ، ونحو ذلك من صفات الإنسان . وأما الإنسان فإن له كل ذلك على وجه الكمال ، والحق تعالى هو المتصرّف في ظاهره وباطنه وليس الإنسان مع ذلك بمجبور لأنه مريد قادر ولا هو خالق لما يريد لأنه مخلوق . وقوله « فيه » أي في محبة هذا المحبوب الحقيقي . وقوله « حياتي » يعني موتي الذي ينكشف لي هو حياتي الأزلية الأبدية لأنها حياته تعالى . وقوله « وفي حياتي » يعني حياتي الأولى التي هي مجرّد توهم مني أني حيّ بنفسي إذا انكشف لي الأمر على ما هو عليه . وقوله « قتلي » أي وجوب قتلي شرعا لأنّ ذلك دعوى خالق آخر مع الحق تعالى حيّ بنفسه ، وهو كفر موجب للقتل . وقوله « أنا الفقير » أي المفتقر إلى الحق تعالى في ذاتي وصفاتي وأحوالي ظاهرا وباطنا . وقوله « المعنى » بتشديد النون من عناني ، كذا يعنيني عرض لي وشغلني فأنا معنى به ، والأصل مفعول . والإشارة بذلك أنه مشغول بالمحبة الإلهية لا ينفك عنها ، وهي محبة الحق تعالى له من قوله سبحانه : فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [ المائدة : الآية 54 ] . وقوله « رقوا » فعل أمر من رق الشيء يرق من باب ضرب خلاف غلظ ، ورقت الوالدة على ولدها من باب تعب حنت وعطفت ، يعني حنوا واعطفوا عليّ . وقوله « لحالي » الحال صفة الشيء يعني حنوا واعطفوا على صفاتي التي تعلمونها مني في محبتكم . وقوله « وذلي » من ذلك ذلّا إذا ضعف وهان ، وهو ذل الميت بين يدي الحيّ ، والفاني بين يدي الباقي ، والمعدوم بين يدي الموجود ، والباطل بين يدي الحق ، وذلك ذل حقيقي لا ينفك عن العبد أزلا وأبدا ، وهو في مقابلة عز الحق تعالى الأزليّ الأبديّ . اه . وقال قدّس اللّه سرّه : أشاهد معنى حسنكم فيلذّ لي خضوعي لديكم في الهوى وتذلّلي [ الاعراب والمعنى ] « أشاهد » مضارع شاهدته مثل عاينته وزنا ومعنى . وقوله « معنى حسنكم » أي أثر حسنكم ، والخطاب للأحبة من حيث الظهور الإلهيّ بالمظاهر المتعددة ، والحسن هو الجمال الحقيقي وهو حضرة الأسماء الحسنى . وقوله « فليذ » الفاء للتعقيب ، ويلذ أي يصير لذيذا . وقوله « لي » أي لجميعي ظاهري وباطني . وقوله « خضوعي » فاعل يلذ ،